رئيس مجلس الادارة : السيد سعد الدين
الثلاثاء 13 نوفمبر 2018 - 02:16 صباحاً

أجبن الناس وأحيل الناس وأشجع الناس

السبت 06 سبتمبر 2014 - 11:20 صباحاً أجبن الناس وأحيل الناس وأشجع الناس
أجبن الناس وأحيل الناس وأشجع الناس
دخل عمرو بن معد يكرب(1) على عمر بن الخطاب رضي الله عنه فقال له عمر: يا عمرو ، أخبرني عن أشجع من لقيت ، فقال: والله يا أمير المؤمنين لأخبرك عن أجبن الناس وأحيل الناس ، وأشجع الناس: خرجت مرة أريد الغارة ، فبينما أنا أسير بفرس مشدود ، و رمح مركوز وإذا رجل جالس ، و هو كأعظم ما يكون من الرجال خلقا ، وهو محتب بسيف. 
فقلت له: خذ حذرك فإني قاتلك.  فقال: ومن أنت ؟ قلت: عمرو بن معد يكرب ، فشهق شهقة ، فمات. فهذا أجبن من رأيت يا أمير المؤمنين .  
وخرجت يوماً حتى انتهيت إلي حيٍ ، فإذا بفرسٍ مشدود ورمحٍ مركوز  وإذا صاحبه في وهدة يقضي حاجته.
فقلت له: خذ حذرك فإني قاتلك. قال: من أنت ؟ قلت: عمرو بن معد يكرب. قال :أبا ثور (كنية عمرو) ما أنصفتني !! أنت على ظهر فرسك وأنا في بئر، فأعطني عهداً أنك لا تقتلني حتى أركب فرسي ، وآخذ حذري ، فأعطيته عهداً ألا أقتله حتى يركب فرسه ، و يأخذ حذره.
فخرج من الموضع الذي كان فيه ، وأحتبى بسيفه وجلس . فقلت: ما هذا؟ قال: ما أنا براكبٍ فرسي ، ولا بمقاتلك ، فإن نكثت عهدك فأنت أعلم ، فتركته ومضيت. فهذا يا أمير المؤمنين أحيل من رأيت!
ثم إني خرجت يوما آخر ، حتى انتهيت إلى موضع كنت أقطع فيه ، فلم أر أحدا ، فأجريت فرسي يمينا وشمالا ، فظهر لي فارس.
فلما دنا مني إذا هو غلام قد أقبل نحو اليمامة. فلما قرب منى سلم فرددت عليه وقلت: من الفتى ؟ قال: أنا الحارث بن سعد ، فارس الشهباء، فقلت: خذ حذرك ، فإني قاتلك ، فقال: الويل لك ! من أنت؟ قلت: عمرو بن معد يكرب. قال: الحقير الذليل ، والله ما يمنعني من قتلك إلا استصغارك فتصاغرت نفسي إلي وعظم عندي ما إستقبلنى به. 
فقلت له: خذ حذرك ، فوالله لا ينصرف إلا أحدنا ، قال: اغرب ، ثكلتك أمك!  فإني من أهل بيت ما جبنا عن فارس قط. فقلت: هو الذي تسمع قال: اختر لنفسك ، إما أن تُطْرد لي ، وإما أن أطْرِد لك ، فاغتنمتها منه فقلت: أطرد لي. فأطرد ، وحملت عليه حتى إذا قلت: أني وضعت الرمح بين كتفيه ، إذا هو قد صار حزاماً لفرسه ثم اتبعني ، فقرع بالقناة رأسي وقال: يا عمرو ، خذها إليك واحدة ، فوالله لولا أني أكره قتل مثلك لقتلتك ، فتصاغرت إلى نفسي ، وكان الموت والله  يا أمير المؤمنين أحب إلي مما رأيت ، فقلت: والله لا ينصرف إلا أحدنا ، فقال: اختر لنفسك ، فقلت: أطرد لي. فأطرد لى ؛ فظننت أنى قد تمكنت منه  وأتبعته حتى إذا قلت: إني قد وضعت الرمح بين كتفيه فإذا هو قد صار لببا لفرسه ، ثم اتبعني فقرع رأسي بالقناة ، وقال :يا عمرو خذها إليك ثانية. 
فتصاغرت إلي نفسي فقلت: و الله لا ينصرف إلا أحدنا.
فقال: اختر لنفسك. فقلت: اطرد لي حتى إذا قلت: إني وضعت الرمح بين
كتفيه وثب عن فرسه ، فإذا هو على الأرض ، فأخطأته ومضيت فإستوى على فرسه واتبعني فقرع بالقناة رأسي ، وقال: يا عمرو ، خذها إليك ثالثة. لولا أنى أكره قتل مثلك لقتلتك.
فقلت له: اقتلني ،  فإن الموت أحب إلي مما أرى بنفسي ، وأن تسمع فتيان العرب بهذا. فقال: يا عمرو ،  إنما العفو ثلاث ، وإني إن استمكنت منك الرابعة قتلتك ، وأنشأ يقول:
 
   وكّدْت أغلاظاً مـن الأيمـان         إن عدت يا عمرو الى الطعانِ
   لتوجـرنّ لهـب السـنـان          أولا، فلسـتُ من بني شيبـانِ 
 
فلما قال هذا كرهت الموت ، وهبته هيبة شديدة ، وقلت: إن لي إليك حاجة ؟ قال: ما هي ؟ قلت: أكون لك صاحباً ، ورضيت بذلك يا أمير المؤمنين! قال :لست من أصاحبي. فكان ذلك والله أشد على , وأعظم مما صنع.
فلم أزل به أطلب إليه حتى قال: ويحك ! وهل تدري أين أريد ؟ قلت: لا. قال: أريد الموت عياناً. فقلت: رضيت بالموت معك. فقال: امضِ بنا. فسرنا جميع يومنا وليلتنا حتى جنا الليل ، وذهب شطره.
فوردنا على حيّ من أحياء العرب ، فقال: يا عمرو ، في هذا الحي الموت. ثم أومأ إلى قبة في الحي ، فقال: في تلك القبـة الموت الأحمـر فإما أن تمسك عليّ فرسي ، فأنزل ، فآتي بحاجتي ، وإما أن أمسك عليك فرسك ، فتنزل فتأتي بحاجتي. فقلت: بل انزل أنت ، فأنت أعلم بموضع حاجتك ، فرمى إلىّ بعنان فرسه ونزل ، فرضيت لنفسي يا أمير المؤمنين أن أكون له سائسا.
ثم مضى حتى دخل القبة ، فاستخرج منها جارية ، لم تر عيناي قط مثلها حسنا وجمالا ، فحملها على ناقة ، ثم قال: يا عمرو. قلت: لبيك!  قال: عليك بزمام الناقة.
 
وسرنا بين يديه ، وهو خلفنا حتى أصبحنا ، فقال لي: يا عمرو. قلت: لبيك! ما تشاء؟ قال: التفت ، فانظر هل ترى أحداً ؟ فالتفت ، وقلت: أرى جمالا. قال: أسرع في السير ، ثم قال: يا عمرو. قلت: لبيك ! قال: انظر فإن كان القوم قليلا ، فالجلد والقوة والموت. وإن كانوا كثيرا فليسوا بشيء. فالتفت ، فقلت: هم أربعة أو خمسة. قال: أسرع في السير، وسمع وقع الخيل ، فقال: يا عمرو ، قلت: لبيك! قال: كن على يمين الطريق وقف ، وحول وجوه دوابنا إلى الطريق ، ففعلت ، ووقفت على يمين الراحلة ووقف هو عن يسارها.
ودنا القوم منا ، فإذا هم ثلاثة نفر فيهم شيخ ، وهو أبو الجارية وأخواها وهما غلامان شابان ، فسلموا فرددنا السلام ، ووقفوا عن يسار الطريق  فقال الشيخ: خلّ عن الجارية يا ابن أخي ، فقال: ما كنت لأخليها ، ولا لهذا أخذتها! فقال لأصغر ابنيه: اخرج إليه ، فخرج وهو يجر رمحه وحمل عليه الحارث وهو يقول:
 
   من دون ماترجوه خضب           من فارس مستلئم مقاتـل
   ينمى الى شيبان خير وائل         ما كان سيري نحوها بباطل
 
ثم شد عليه ، فطعنه طعنة دق منها صلبه ، فسقط ميتا. فقال الشيخ لابنه الأخر: اخرج إليه يا ابني ، فلا خير في الحياة على الذل فخرج إليه وأقبل الحارث يقول:
 
       لقد رأيـت كـيف كـانت      والطعن للقرن الشديد همتي
      والموت خير من فراق خلتي     فقتـلتي اليـوم ولا مذلتـي
 
ثم شد عليه فطعنه طعنة سقط منها ميتاً.
فقال له الشيخ: خلّ عن الظعينة(2) يا ابن أخي ، فإني لست كمن رأيت قال: ما كنت لأخليها ولا لهذا قصدت. فقال له الشيخ: اختر يا بن أخي فإن شئت طاردتك وان شئت نازلتك ، فاغتنمها الفتى ونزل. ونزل الشيخ  وهو يقول:
 
  ما أرتجي بعد فناء عمـري          سأجعـل السنين مثل الشهـر
  شيخ يحامي دون بيض الخدر         إنّ استيباح البيض قصم الظهر
 
سوف ترى كيف يكون صبري فأقبل الحارث وهو يقول:
 
  بعد ارتحالي وطويل سفري         وقد ظفرت وشفيت صدري
 والموت خير من لباس الغدر        والعار أهديـه لـحي بكـر
 
ثم دنا ، فقال الشيخ: يا ابن أخي ، إن شئت نازلتك ، إن بقيت فيك قوة ضربتني ، وإن شئت فاضربني ، فإن بقيت فيّ قوة ضربتك. فاغتنمها الفتى ، فقال: أنا أبدؤك. قال: هات. فرفع الحارث السيف ، فلمـا نظـر 
الشيخ أنه قد أهوى به إلي رأسه ، ضرب بطنه ضربة فقدّ أمعائه ووقعت ضربة الحارث في رأسه ، فسقطا ميتين.
فأخذت أربعة أفراس ، وأربعة أسياف. ثم أقبلت إلى الناقة فعقدت أعنة الأفراس بعضها إلى بعض وجعلت أقودها. فقالت الجارية: يا ، إلى أين؟ ولست لي بصاحب ، ولستَ كمن رأيت ، ولو كنت صاحبي لسلكت سبيلهم! فقلت: اسكتي ، قالت: فإن كنت صادقا فأعطني سيفا ورمحا فإن غلبتني فأنا لك ، وإن غلبتك قتلتك.
فقلت لها: ما أنا بمعطيك ذلك ، وقد عرفت أصلك ، وجرأة قومك وشجاعتهم ، فرمت بنفسها عن البعير وهي تقول:
أبعد شيخي وبعد إخوتي أطلب عيشاً بعدهم في لذة ؟ 
هلا تكون قبل ذا منيتي وأهوت الى الرمح ، فكادت تنتزعه من يدي. فلما رأيت ذلك خفت إن هي ظفرت بي أن تقتلني ، فقتلتها.
فهذا أشد ما رأيته يا أمير المؤمنين . فقال عمر بن الخطاب : صدقت يا عمرو! 
______________________________________________
(1) هو عمرو بن معد يكرب الزبيدي صحابي جليل يلقب بأبا ثور ، من إمراء قبيلة زبيد اشتهر بالشجاعة والفروسية حتى لُقِبَّ بفارس العرب ، وكان له سيف اسمه الصمصامة, وقد شارك في معارك الفتوحات الإسلامية في الشام والعراق ، ولم يتخلف عن أي حرب من حروب المسلمين قط.
وكان عمرو بن معد يكرب الزبيدي طويل القامة وقوي البنية حتى إن عمر بن الخطاب قال فيه: الحمدالله الذي خلقنا وخلق عمرو تعجبا من عظم خلقه.
(2) الظعينة: الراحلة يرتحل عليها والهودج والزوجة
 



اضف تعليق


مقالات... المزيد

  • «قصيدة لمحمد صلاح».. شعر- د. أحمد تيمور

  • رئيس الاتحاد الإفريقي: أسلحة الرماة تخرج من المطار في 15 دقيقة

  • خالد مرتجى: البطولة الأفريقية هدف القلعة الحمراء

  • تعرف على تكاليف الحكام الأجانب لإدارة نهائي كأس مصر

  • صلاح وقمة الزمالك

  • هاري كين يهدد محمد صلاح على صدارة هدافي الدوري الانجليزي بعد صيام «الفرعون»

استفتاء



هل تؤيد دعوات خلع الحجاب

  • نعم
  • لا
  • لا أهتم
Ajax Loader
مواقيت الصلاة
حالة الطقس
اسعار العملات

تابعنا على فيس بوك

© جميع الحقوق محفوظة لموقع اليوم 2016